وسط عجز عن العزل والعلاج

 في خيام غزة.."جدري الماء" يفتك بأجساد الأطفال

 في خيام غزة..
تقارير وحوارات

غزة/ دعاء الحطاب:

في خيمة صغيرة مصنوعة من النايلون وقطع القماش البالية، بمنطقة السوارحة الغربية وسط قطاع غزة، تحاول أم ناصر الأسمر (45 عاما) السيطرة على فوضي الصراخ والبكاء الذي لا يتوقف، فـ"جدري الماء" ينهش بأجساد أطفالها الخمسة، دون شيء يخفف الحكة التي تحرق جلودهم الرقيقة.

ويشهد قطاع غزة، انتشاراً واسعاً ومقلقاً لمرض جدري الماء بين الأطفال، في ظل أوضاع صحية وإنسانية متدهورة، مع تكدس آلاف النازحين داخل مراكز إيواء تفتقر لأبسط مقومات النظافة والرعاية الطبية.

وأكد مسؤولون بالقطاع الصحي تسجيل زيادة لافتة في أعداد الإصابات خلال الأيام الأخيرة، محذرين من تحول المرض إلى تهديد مباشر للفئات الأكثر هشاشة، خاصة الأطفال وكبار السن، وسط بيئة تساعد على انتقال العدوى بسرعة.

ويرتبط انتشار المرض بشكل أساسي بالاكتظاظ الشديد داخل المخيمات، إلى جانب تدهور خدمات الصرف الصحي ونقص المياه النظيفة، مما يخلق بيئة مثالية لانتقال الأمراض الجلدية المعدية.

ويعاني القطاع الصحي بغزة من نقص حاد في الأدوية والمستلزمات الطبية، الأمر الذي يفاقم من معاناة المصابين، ويحد من قدرة المستشفيات على التعامل مع الحالات، خاصة مع تزايد أعداد المرضى.

ألام لا تُحتمل

" هنا لا يكون المرض مجرد وعكة عابرة، بل اختبار يومي للقدرة على الاحتمال، حيث تتحول إصابة يمكن احتوائها بسهولة، إلى معاناة مفتوحة داخل خيمة لا تحمي من شيء"، بهذه الكلمات أعربت " أم ناصر" عن استيائها وعجزها الشديد في التعامل مع الأمراض المعدية التي تتنقل بسهولة بين خيام النازحين.

بألم يعتصر قلبها، تقول أم ناصر خلال حديثها ل" الاستقلال":" قبل أيام، استيقظ طفلي محمد (6 أعوام) من نومه، ووجهه مغطي بحبوب صغيرة ويده لا تتوقف عن الحكة الشديدة".

وتضيف وهى تحتضن طفلها: "في البداية اعتقدت إنها لسعات بعوض، فوضعت له كريم لعله يخفف الألم، لكن مع حلول المساء بدأ بالصراخ والبكاء من شدة الحكة والألم .. وعندما كشفت عليه كانت الحبوب منتشرة بكل جسمه".

وتتابع بحرقه:" في اليوم التالي، اصطحبته إلى طبيب مختص بالأمراض الجلدية، ليؤكد إصابته بمرض جدري الماء، ويصف له علاجاً لتخفيف الحكة، إلى جانب مضاد حيوي ودهون موضعي يُعرف بـ"الشيد"، مع توصية بدهنه مرتين يومياً وعدم غسله بالماء لمدة عشرة أيام".

لكن التحدي الأكبر لم يكن في العلاج، بل في الوقاية، تضيف أم ناصر: " الدكتور طلب منى عزل محمد عن إخوانه، بس كيف بدي أعزله؟ إحنا عايشين بخيمة ما بتتجاوز ثلاثة أمتار".

لم تمر أيام حتى انتقلت العدوى إلى إخوانه الأربعة واحداً تلوى الأخر، ليجد الأطفال أنفسهم جميعاً في مواجهة مرض لا يرحم داخل مساحة ضيقة، بلا تهوية كافية أو وسائل تخفيف.

بصوت مثقل بالتعب، أنهت حديثها قائلة: "الأطفال ما بوقفوا عن البكاء والصراخ، مش بكفي الجدري ينهش في أجسامهم، كمان البعوض والحر زادوا الطين بلة .. ما في نوم ولا راحة، ولا قادرين يتحملوا القعدة داخل الخيمة".

"المرض يسكن معنا "

ولم يكن حال المواطنة أم محمد الشافعي (27 عاماً)، أفضل من سابقتها، فهي الأخرى تعاني الويلات بسبب الأمراض الجلدية التى باتت لا تفارق صغيرتها "مريم" التى لم تتجاوز الثلاثة أعوام.

بغصة تعترض صوتها، تقول أم محمد خلال حديثها لـ"الاستقلال": "مريم لم تعرف حياة مستقرة منذ ولادتها قبل الحرب بشهرين، كبرت بين النزوح والمجاعات ونقص الحليب والحفاضات، ما أضعف مناعتها وجعلها فريسة سهلة للأمراض".

بينما ترفع الغطاء قليلاً عن طفلتها النائمة بعد بكاء طويل، كأنها تخشى إيقاظ الألم من جديد، تضيف:" من وهي صغيرة جسدها عرضة للأمراض المعدية رغم حرصي الدائم على نظافتها ... مرة طفح جلدي، ومرة دمامل وحساسية ولسعات بعوض، واليوم جدري الماء".

وتتابع بألم:" مريم تبكي طول الوقت، وبتحك بجسمها الصغير، وأنا مش قادرة أساعدها، العلاج مرة وحدة باليوم، وممنوع حتى أبرد عليها بالماء"، مستدركة:" شو ذنبها تتحمل كل هالأوجاع؟".

في الخيام، لا يقف المرض عند حدّ الجسد، فالبيئة نفسها تكمل ما بدأه، تضيف الأم بصوت منهك:" أطفالنا كل يوم يموتوا ألف مرة هنا، بنحاول نبعدهم عن القاذورات، لكن للأسف احنا عايشين بمستنقع أمراض، في بيئة لا تصلح حتى لعيش الحيوانات، مياه الصرف الصحي تغرق المكان، والحمامات مش نظيفة، حتى مياه الشرب ملوثة .. كيف بدنا نحميهم؟.

وتناشد" أم محمد" العالم أجمع ومؤسسات حقوق الإنسان والطفولة، بالنظر إلى أهل غزة وأطفالها بعين الرحمة، والعمل على إنقاذ طفولتهم التي تستنزف بالكامل تحت وطأة الأمراض والألآم، وسط بيئة لا ترحم.

ما هو الجدري المائي؟

وبدوره أكد المختص بالأمراض الجلدية د. نصيف الحاج، أن قطاع غزة يشهد انتشارًا ملحوظًا لمرض الجدري المائي (Varicella)، خاصة بين الأطفال في مخيمات النزوح، في ظل أوضاع إنسانية وصحية صعبة تُفاقم من سرعة انتقال العدوى.

وأوضح الحاج خلال حديثه لـ "الاستقلال"، أن الجدري المائي مرضًا فيروسيًا مُعديًا، يتميّز بظهور طفح جلدي شديد مصحوب بحكة، حيث تبدأ أعراضه عادة خلال فترة تصل إلى ثلاثة أسابيع من التعرض للفيروس.

وبين أن قبل ظهور الطفح، يعاني المصاب من بعض الأعراض الأولية، أبرزها: ارتفاع في درجة الحرارة، إرهاق شديد، صداع، آلام عامة في الجسم، وفقدان الشهية.

ومع تطور الحالة، يبدأ الطفح الجلدي بالظهور على شكل بقع حمراء صغيرة في مناطق الصدر والظهر والوجه، قبل أن تنتشر في باقي أنحاء الجسم، لتتحول لاحقًا إلى حويصلات مملوءة بسائل، ثم تجف وتكوّن قشور خلال أيام. وفق المختص.

وأشار إلى أن الجدري يصيب بشكل أكبر الأطفال، إضافة إلى البالغين الذين يعانون من ضعف جهاز المناعة، ما يزيد من احتمالية حدوث مضاعفات لديهم.

ونوه إلى أن الفيروس ينتقل بسهولة عن طريق السعال أو العطاس، وكذلك من خلال ملامسة البثور بشكل مباشر، محذراً من حك الطفح الجلدي، لما قد يسببه من التهابات أو ندبات دائمة.

وأكد أن علاج الجدري المائي يعتمد بشكل أساسي على تخفيف الأعراض، مثل: استخدام خافضات حرارة كـ ( Paracetamol)، بالإضافة إلى استخدام مضادات الهيستامين، مثل (Lorax)، إلى جانب الاهتمام بالتغذية الجيدة وشرب كميات كافية من السوائل.

 وشدد على أن أفضل وسيلة للوقاية من الجدري، هو اللقاح (Varicella vaccine)، والذي يُعطى للأطفال ضمن برامج التطعيم، إضافة إلى تجنب مخالطة المصابين، وأفراد أسرهم الذين لم يُصابوا بالمرض.

وتسهم الظروف المعيشية القاسية في مخيمات النزوح في تفشي المرض، نتيجة الاكتظاظ الشديد، ونقص المياه النظيفة، وتراكم النفايات، وتدهور خدمات الصرف الصحي، إلى جانب ضعف التغذية وانهيار النظام الصحي. وفق المختص.

ظروف كارثية

ومن جانبه، حذر رئيس مستشفى الرنتيسي للأطفال في غزة، د. جميل سليمان، من تزايد ملحوظ في أعداد الأطفال المصابين بجدري الماء، مشيراً إلى أن هذا الارتفاع دفع الطواقم الطبية إلى اتخاذ إجراءات ميدانية عاجلة لرصد الحالات وحصرها داخل المستشفيات، في ظل تحول الفيروس إلى تهديد صحي مباشر.

وأوضح سليمان في تصريح صحفي، أن التكدس السكاني داخل مراكز الإيواء يساهم بشكل كبير في تسريع انتشار العدوى، لافتاً إلى أن الظروف البيئية الصعبة بقطاع غزة جعلت من جدري الماء خطراً مضاعفاً يهدد الفئات الأكثر هشاشة، وعلى رأسها الأطفال.

كما حذر من احتمالية تطور بعض الحالات إلى مضاعفات خطيرة، مثل التهابات الدماغ، خصوصاً لدى الأطفال صغار السن وذوي المناعة الضعيفة، في ظل استمرار التدهور البيئي والصحي في القطاع.

ومن جهتها حذرت بلدية غزة من تفاقم الأوضاع البيئية في المدينة نتيجة "التراكم الكبير" للنفايات والركام، مُبينة أن حجم الكميات المتراكمة وصل إلى نحو 350 ألف متر مكعب داخل مراكز غزة، ما يشكل بيئة خصبة لانتشار الأمراض والآفات.

التعليقات : 0

إضافة تعليق